محمد بن جرير الطبري
15
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عرض الأرض كله ، وأم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج . فأما الأمتان اللتان بينهما طول الأرض : فأمة عند مغرب الشمس ، يقال لها : ناسك . وأما الأخرى : فعند مطلعها يقال لها : منسك . وأما اللتان بينهما عرض الأرض ، فأمة في قطر الأرض الأيمن ، يقال لها : هاويل . وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر ، فأمة يقال لها : تأويل ؛ فلما قال الله له ذلك ، قال له ذو القرنين : إلهي إنك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت ، فأخبرني عن هذه الأم التي بعثني إليها ، بأي قوة أكابرهم ، وبأي جمع أكاثرهم ، وبأي حيلة أكايدهم ، وبأي صبر أقاسيهم ، وبأي لسان أناطقهم ، وكيف لي بأن أفقه لغاتهم ، وبأي سمع أعي قولهم ، وبأي بصر أنفذهم ، وبأي حجة أخاصمهم ، وبأي قلب أعقل عنهم ، وبأي حكمة أدبر أمرهم ، وبأي قسط أعدل بينهم ، وبأي حلم أصابرهم ، وبأي معرفة أفصل بينهم ، وبأي علم أتقن أمورهم ، وبأي يد أسطو عليهم ، وبأي رجل أطؤهم ، وبأي طاقة أخصمهم ، وبأي جند أقاتلهم ، وبأي رفق أستألفهم ، فإنه ليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم لهم ، ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم ، وأنت الرب الرحيم ، الذي لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ولا تحملها إلا طاقتها ، ولا يعنتها ولا يفدحها ، بل أنت ترأفها وترحمها . قال الله عز وجل : إني سأطوقك ما حملتك ، أشرح لك صدرك ، فيسع كل شيء وأشرح لك فهمك فتفقه كل شيء ، وأبسط لك لسانك ، فتنطق بكل شيء ، وأفتح لك سمعك فتعي كل شيء ، وأمد لك بصرك ، فتنفذ كل شئ ، وأدبر لك أمرك فتتقن كل شيء ، وأحصي لك فلا يفوتك شيء ، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء ، وأشد لك ظهرك ، فلا يهدك شيء ، وأشد لك ركنك فلا يغلبك شيء ، وأشد لك قلبك فلا يروعك شيء ، وأسخر لك النور والظلمة ، فأجعلهما جندا من جنودك ، يهديك النور أمامك ، وتحوطك الظلمة من ورائك ، وأشد لك عقلك فلا يهولك شيء ، وأبسط لك من بين يديك ، فتسطو فوق كل شيء ، وأشد لك وطأتك ، فتهد كل شيء ، وألبسك الهيبة فلا يرومك شيء . ولما قيل له ذلك ، انطلق يوم الأمة التي عند مغرب الشمس ، فلما بلغهم ، وجد جمعا وعدد الا يحصيه إلا الله ، وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله ، وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة ، وقلوبا متفرقة ؛ فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة ، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها ، فأحاطتهم من كل مكان ، وحاشتهم حتى جمعتهم قي مكان واحد ، ثم أخذ عليهم بالنور ، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته ، فمنهم من آمن له ، ومنهم من صد ، فعمد إلى الذين تولوا عنه ، فأدخل عليهم الظلمة . فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم ، ودخلت في بيوتهم ودورهم ، وغشيتهم من فوقهم ، ومن تحتهم ومن كل جانب منهم ، فماجوا فيها وتحيروا ؛ فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد ، فكشفها عنهم وأخذهم عنوة ، فدخلوا في دعوته ، فجند من أهل المغرب أمما عظيمة ، فجعلهم جندا واحدا ، ثم انطلق بهم يقودهم ، والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من حولهم ، والنور أمامهم يقودهم ويدلهم ، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى ، وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها